واقــع الترجمة الفلسفية والمحتوى المهمش في العالم العربي: تحديات الماضي ورهانات المستقبل

أضيف بتاريخ 08/25/2025
منصة المَقالاتيّ


تعرف المجتمعات العربية اليوم نقاشاً متجدداً حول دور الترجمة، خاصة في ما يتعلق بالفلسفة والمحتوى المهمش الذي لطالما ظل خارج دائرة الاهتمام المؤسسي والسوقي. ورغم أن النشر والترجمة قد شكلا عبر التاريخ العربي الإسلامي دعامة أساسية للنهضة الفكرية، فإن المشهد الراهن يعاني من فجوة واضحة مقارنة بالعالم الغربي وبعض الدول الآسيوية. الأرقام المتواضعة في إنتاج الترجمات تعكس ليس فقط محدودية الموارد البشرية المتخصصة، بل أيضاً خضوع مشاريع الترجمة غالباً للاعتبارات التجارية أو الأيديولوجية، مع غياب استراتيجية واضحة تُعطي الأولوية لحقول معرفية حيوية مثل العلوم الدقيقة والفلسفة والعلوم الإنسانية.

يبرز في هذا السياق ملف ترجمة الفلسفة بوصفه مطلباً حضارياً لا غنى عنه لتوسيع آفاق التفكير ونقل المعارف وتسهيل الحوار بين الثقافات. غير أن الترجمة الفلسفية إلى العربية لم تسلم من التأخر التاريخي، كما يوضّح تقرير مركز الترجمة والتعريب والاهتمام باللغة العربية لدول مجلس التعاون الخليجي الصادر سنة 2025. فمثلاً، تأخرت الترجمة العربية لكتاب "رأس المال" لكارل ماركس لستة عقود تقريباً بعد صدوره باللغات الأوروبية، ما أدى إلى تعطيل النقاش الفكري العميق بشأن الماركسية ونقد الرأسمالية في الفضاء العربي، وأجبر الأوساط الأكاديمية على الاكتفاء إما بملخصات أو بترجمات وسيطة غير مباشرة. وقد انعكس هذا التأخير على نشوء الحركات السياسية والفكرية وأثر في بناء النظريات المحلية القادرة على مقاربة التحديات الاجتماعية والتنموية بشكل أصيل

التحدي ذاته يفرض نفسه بقوة في ما يتعلق بالمحتوى المهمش، مثل أدب الإعاقة والمحتوى المتخصص في قضايا الفئات الهشة أو المجتمعات المهمشة جغرافياً وثقافياً. فالمبادرات الفردية والمؤسسية، وإن كانت واعدة—كدار الكوكب التاسع أو مبادرات مثل "مشروع كلمة" في أبوظبي—تظل محدودة الأثر أمام غياب سياسة ترجمة تضمن دعم الأعمال غير الربحية وتضع معايير مهنية ملزمة للناشرين. أضف إلى ذلك تحديات الرقابة الاجتماعية والدينية، والتي كثيرا ما تدفع الناشرين إلى حذف أو تعديل أو حتى استبعاد الأعمال الفلسفية والفكرية الحساسة، ما يقود إلى تضييع جزء من القيمة الفكرية الأصلية للعمل وفقدان جرأته وتميزه.

تشير توصيات المختصين في المجال إلى ضرورة تبنّي رؤية استراتيجية ومتكاملة لدعم الترجمة المباشرة والدقيقة من اللغات الأصلية، وتقوية الشراكة بين القطاعين العام والخاص بغرض تمويل المشاريع النوعية، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية المحتوى المهمش والفلسفة في تجديد العقل الثقافي العربي. كما أن الاستثمار في تدريب المترجمين المتخصصين وتوفير محفزات مادية ومعنوية تظل من أساسيات معالجة النقص الحاد في الكفاءات بالقطاع. فعبر ترجمة المحتوى المعرفي المهمش وإعادة الاعتبار للفلسفة والعلوم الإنسانية، تستعيد الثقافة العربية دورها كمحرك حضاري قادر على إنتاج المعرفة ونقدها والانفتاح على التجارب الفكرية العالمية دون خوف من المساءلة أو التهميش.


publication12