في رواية "قبلات من طنجة" للكاتبة ميلفينا ميستر، تعود بطلة السلسلة، المحققة الخاصة غابرييل كابلان، إلى واجهة الأحداث في مغرب أوائل الخمسينيات، حيث تختلط ظلال الاستعمار الفرنسي بتقاطعات العالم السفلي من تهريب السلاح والمخدرات وتبدّل الولاءات. تنطلق الحكاية من الدار البيضاء عام 1952، حيث تعيش كابلان وتعمل في أجواء صيفية وادعة لا توحي بكثير من القضايا. غير أن لقاءً عابرًا في نادي "صن بيتش" الراقي على كورنيش عين الذئاب يقلب مسارها؛ إذ تتلقى عرضًا من جهاز الاستخبارات الفرنسية (SDECE) للتغلغل في عوالم طنجة الدولية ومراقبة شبكة تهريب واسعة النطاق
تُقدَّم كابلان بملامح عملية تجمع بين الاعتياد والقدرة على التخفي وسط الزحام: حضور رياضي، نظرة يقظة، وأناقة غير صاخبة. هذه السمات تجعلها خيارًا مناسبًا لمهام التسلل وجمع المعلومات من دون إثارة الشبهات. تتلقى تكليفًا بمتابعة رجل من مرسيليا يُشتبه في توليه إدارة مسارات لتهريب السجائر الأميركية—وربما السلاح—انطلاقًا من طنجة نحو فرنسا. على أن تدخل إلى هذا العالم على هيئة زوجة لعميل متخفٍ فُقدت آثاره منذ أيام، وتستند إلى غطاء محكم يُتيح لها العبور بين الواجهات البراقة والأزقة المظلمة.
تأتي خصوصية طنجة في تلك الحقبة من وضعها كمنطقة دولية منذ 1945، قبل أن تُلحق بالمغرب بعد الاستقلال عام 1956 مع استمرار وضعٍ خاص إلى حدود 1960. هذا الإطار الجيوسياسي خلق مدينة تتجاور فيها قصص المنفيين وذكريات المتعاونين السابقين وشبكات السماسرة والمهربين، حيث تتداخل النفوذ الأوروبي مع شبكات محلية وإقليمية، وتتعقّد خرائط المصالح بين أجهزة الاستخبارات وتجار السوق السوداء. في هذا المسرح، تقترب كابلان من قلب "الفتنة": حفلات صاخبة، أسرار تُداس تحت أقدام الراقصين، وصفقات تُعقد في الظلال. وتستثمر الرواية هذه الخلفية لتقديم سرد بوليسي-تجسسي مشدود يُوازن بين الإيقاع الخفيف والملامح الوثائقية.
تضيف هوية البطلة بعدًا إنسانيًا واستراتيجيًا في آن: يهودية من سالونيك تحمل جوازًا إسبانيًا بموجب قرار فرانكو عام 1936، لاجئة إلى المغرب منذ 1941، وتطمح—إذا أنجزت المهمة—إلى نيل جوازات سفر فرنسية لها ولأسرتها المقيمة في باريس. هذا الوعد يُصعّد الرهانات الشخصية، ويحوّل المهمة من مجرد تكليف مهني إلى معبرٍ وجودي نحو الأمان القانوني والاعتراف، داخل زمنٍ كانت الأوراق فيه توازي الحياة نفسها.
تستحضر الرواية أجواء طنجة الثقافية في أوجها، وتلمّح إلى حضور شخصيات أدبية عالمية مثل بول بولز، بينما تلتقط تفاصيل الحياة اليومية والمزاج العام في مدينة حدودية معلّقة بين السيادة واللّاسيادة. ومن خلال لغة سلسة ونَفَسٍ سردي لا يثقل بالرطانة التاريخية، تُقدّم ميستر عملاً يسعى إلى الإمتاع دون أن يُفرّط في حسّ التوثيق، ويتيح للقارئ نافذة على مرحلة انتقالية محمّلة بالتوتّر والاحتمالات.
تتحرك الحبكة عبر طبقات اجتماعية متباينة: من أندية النخبة إلى أرصفة المرافئ، ومن صالونات الدبلوماسيين إلى أوكار التهريب. وتُبنى التوترات على مفارقات زمنٍ يتداعى فيه النظام الاستعماري أمام موجات التحرر الوطني، لتجد أجهزة الاستخبارات نفسها لاعبًا مركزيًا في إدارة الفراغات الرمادية، حيث يصبح الاختفاء حدثًا اعتياديًا، وتتحول القرائن إلى عملة نادرة. في هذا السياق، تُجيد كابلان لعب دور "المرأة التي لا تُرى" إلا حين تريد، فتفتح الأقفال بما تجمعه من شذرات الكلام ونبض الأمكنة.
تتسم "قبلات من طنجة" بقدرتها على جعل المدينة شخصيةً فاعلة: طنجة المراوِغة التي تجمع بين الفخامة والتهتك، بين التسامح الظاهر والمخاطر الكامنة. يكتسب النص إيقاعًا هارمونيًا حين يوازن بين المشاهد الخفيفة والدعابة العابرة، وبين مقاطع تُضيء جوانب من السياق التاريخي والسياسي، دون إغراق أو وعظية. وهو توازن يخدم قارئًا يبحث عن رواية تشدّه دون أن تستنزف طاقته، وتثري معرفته دون أن تُملي عليه دروسًا جاهزة.
ينجح العمل في إعادة تركيب مزاج الخمسينيات المغربية من زاوية البوليسي-التجسسي، مستفيدًا من جاذبية أسئلة الهوية والانتماء والولاء في زمن التحولات الكبرى. ورغم اعتماده على حبكة كلاسيكية من اختراق الشبكات ومطاردة الخيوط، إلا أنه يراهن على التفاصيل الحسية والفضاءات المحيطة لخلق مناخ سردي متماسك. بذلك، تُقدّم ميستر رواية ممتعة ومُحكمة الإيقاع، تحافظ على حياد نبرة الراوي، وتترك للوقائع وشخصياتها أن تتكلم، بينما تتكفل طنجة—بأقنعتها المتعددة—ببقية الإيحاء.